سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ۗ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)سورة البقرة

معنى تبديل النعمة :
الآيات من رحمة الله بنا، هناك آيات كونية، وآيات قرآنية وتكوينية، وهذه الآيات سبب معرفة الله عز وجل، ومعرفته سبب السعادة في الدنيا والآخرة، فإذا لم يعبأ الإنسان بهذه الآيات، ولم يفكر فيها، ولم يأخذ بها، فقد شقي في الدنيا والآخرة
﴿ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾
لقد كانت نعمة كي يعرف الله بها فيطيعه، فيسعد في الدنيا والآخرة، ولكنه لم يعبأ بها، بل جعلها معطلة فشقي في الدنيا والآخرة، والآن أي نعمة، أعطاك الله نعمة البصر، فإن لم تستخدم هذه النعمة فيما أراد الله عز وجل فقد كفرتها، وأعطاك نعمة العقل، فإن لم تعمل العقل فيما أراد الله عز وجل فقد كفرت بنعمة العقل، ونعمة السمع فإن لم تصغِ إلى الحق فقد كفرت بهذه النعمة، ونعمة الصحة فإن لم تستغلها في طاعة الله فقد كفرت بهذه النعمة، ونعمة الفراغ فإن لم تملأ الفراغ بما يرضي الله عز وجل فقد كفرت بهذه النعمة، ونعمة الأمن فإن لم تستخدم هذه النعمة في طاعة الله عز وجل فقد كفرت بهذه النعمة، وهذا معنى تبديل النعمة، أي أن تستخدمها لغير ما أراد الله عز وجل، وأعطاك طلاقة اللسان فهذه النعمة إن لم تستخدمها في ذكر الله فقد كفرت هذه النعمة

أيمكن لإنسان أنْ يشتري جهازاً معقداً جداً، كمبيوتر مثلاً ثمنه ثلاثون مليوناً، ثم يستخدمه منضدة؟ يكون حينئذ قد كفر به، فمثل هذا الجهاز لا يستخدم كمنضدة ثمنها ألفا ليرة أمام خمسة وثلاثين مليون ليرة!! أنت كفرت بهذه النعمة، أيستخدم إنسان أداة منزلية للتنظيف مصنوعة من الذهب الخالص؟ كفرت بنعمة الذهب الخالص، وكل نعمة من نعم الله عز وجل إن لم تستخدمها وفق ما أراد الله فقد كفرت بها، بل كفرت بالمنعم الذي أنعم الله عليك بهذه النعمة، والله عز وجل هدانا بالكون فلم نعبأ به، هدانا بالقرآن فلم نعبأ ولم نتدبر آياته، هدانا بأفعاله فلم نعتبر بها، بل أردناها أرضيةً، وهذا من الكفر بالنعمة
مثلاً النبي الكريم قال: "أصبح مؤمن بي وكافر"،عن زيد بن خالدٍ الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في إثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((قال: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافرٌ، فأما مَن قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنَوْء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب)).فهذا الذي يعزو هذه الأمطار التي أكرمنا الله بها إلى أشياء أرضية لا صلة لها بالخالق فقد كفر، وهذا معنى تبديل النعمة، أعطاك نعماً يجب أن تتحرك من خلالها وفق منهج الله عز وجل، ويجب أن تشكر الله عليها، إن استخدمت العقل لدحض الحق فقد كفرت بالله، وكفرت بنعمة العقل، وأعطاك طلاقة لسان، فإن استخدمت هذه الطلاقة لترويج الباطل والرد على أهل الحق فقد كفرت بهذه النعمة، وأعطاك فكراً دقيقاً، فإن استخدمته بالإيقاع بين الناس، وفي جمع الدرهم والدينار في طريق غير مشروع فقد كفرت بهذه النعمة، وأعطاك نعمة البصر، فإن تأملت بها عورات المسلمين كفرت بهذه النعمة، وأعطاك نعمة السمع، فإن لم تستمع إلى الحق واستمعت إلى الباطل فقد كفرت بهذه النعمة، وهذا معنى تبديل النعمة:
﴿ سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ﴾
وقد أعطاك نعمة الآيات الكونية الدالة على عظمته، ونعمة الآيات القرآنية الدالة على كلامه، ونعمة النظر في أفعاله، فلم تفعل ذلك، بل بدلت هذه النعم إلى نقم فإن الله شديد العقاب. ثم يقول الله عز وجل:﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾الدنيا تملأ أعينهم وهي منتهى آمالهم، ومحط رحالهم، وهي كل شيء في حياتهم
﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾[ سورة الروم: 7 ]
لذلك فالكفار زينت لهم الحياة الدنيا.

راتب النابلسى
موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية