﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾[ سورة البقرة: 208]

(وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾

حينما يطيع الإنسان الشيطان لا يرضى إلا أن يضعه في الحضيض :

قال العلماء: الشيطان ذكي جدّاً فلا يأمرك بالكفر، ولكنه يأمرك بمخالفة بسيطة، فإن أطعته فيها أمرك بأكبر منها من وقت إلى آخر، حتى تجد نفسك أخيراً في الكبائر، ذكر لي أحدهم في سفرتي الأخيرة أن شاباً مسلماً يساكن فتاة دون عقد زواج مدني ولا ديني، أبداً، سئل ما تفعل؟ قال: إنّ الإسلام لم يحلّ لي مشكلتي هنا، وأنا بحاجة، إذاً تزوجها!! أجاب: هي لا تصلح لي زوجة، لقد نامت مع عشرات الرجال قبلي، وصل به الشيطان إلى أن يرتكب الزنى كل ليلة، دون أن يحسب حسباناً للحرام، فحينما يطيع الإنسان الشيطان لا يرضى إلا أن يضعه في الحضيض، فالشهوات كأنها صخرة مستقرة على رأس جبل، إن زحزحتها من مكانها لن تستقر إلى في قعر الوادي

﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾

الزناة بدؤوا بنظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء، والذين شربوا الخمر بدؤوا بشربه بالمناسبات، ثم أصبحوا مدمنين على الخمر، فقضية الإنسان قضية ديناميكية بالتعبير الحديث، أي أنّ كل طاعة تنقلك إلى طاعة أكبر، وكل معصية تنقلك إلى معصية أكبر، فالشيطان لو فرضنا بدأ بأكبر شيء، فدعا الإنسان إلى الكفر فوجد إيمانه قوياً، ثم دعاه إلى الشرك فوجده موحِّداً، ثم دعاه إلى البدع فوجده مطبقاً للسنة، فدعاه إلى الكبائر فوجده ورعاً، فإلى الصغائر فوجده متمسكاً، فدعاه إلى المباحات حتى يغرق فيها، فوجده زاهداً، فإلى التحريش بين المؤمنين، فهناك نقطة مهمة جداً، هناك معاصٍ لها وهج، ولها جذب، فمثل هذه المعاصي لستَ مكلَّفاً بالامتناع عنها فحسب، بل أن تمتنع عن أسبابها أيضاً، وهذا معنى قوله تعالى﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾[ سورة البقرة: 187 ]

اجعل بينك وبين الحد هامش أمان، غض البصر هامش الأمان فيه عدمُ صحبة الأراذل، وعدمُ الاختلاط، والانغماسُ في متع رخيصة، أما إذا تجاوزت هذا الحد فقد وقعت في المعصية، كمثلِ نهر عميق له شاطئ مائل زلق، وله شاطئ مستوٍ جاف، أنت إن وقفت على الشاطئ المائل الزلق وقعت في النهر، وإن وقفت على الشاطئ المستوي الجاف فأنت في أمنٍ وبحبوحة.

الشيطان يعدنا الفقر وخالق الكون يعدنا بمضاعفة الأجر :

﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾

ولو سألت العصاة والمذنبين والذين انغمسوا إلى قمة رؤوسهم في المعاصي والآثام: كيف وصلتم إلى هنا؟ لقالوا: واللهِ بدأنا بكلمة، ونظرة، وفيلم، وصحبة، ورحلة، ولقاء، وانتهى اللقاء إلى زنى، وإلى شرب خمر، وإلى أكل المال الحرام، فحينما يراك الشيطان قد تهاونت في السنة طمع أن تترك الفرض، إن رآك تهاونت في غض البصر طمع أن تفعل بعد غض البصر شيئاً، كلما أطعته في معصية أمرك بأكبر منها، وهذا توجيه رب العالمين:

﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكل عدو مبين ﴾

خالق الكون ينصحنا، الشيطان عدو مبين فانظر إلى الخواطر، الشيطان مثلاً يخوفك مما سوى الله، مع أن الذي تعبده يحميك، ولو أن الذي تعبده لا يحميك لمَ تعبده، لا تستمع إلى تخويف الشيطان، فإنّ الشيطان يعدك الفقر، وخالق الكون يعدك بمضاعفة الأجر

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

[ سورة البقرة: 276 ]

(( أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً ))

[السيوطي في الجامع الصغير]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى

(( يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ. وَقَالَ: يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى. وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: مَلْآنُ سَحَّاءُ لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ))[رواه مسلم عن أبي هريرة]

إنَّ الشيطان يعدك الفقر، ويزين لك المعصية، ويزهدك في الحلال، كم من إنسان منحرف يكره زوجته ويحب امرأة بالحرام، هذا من فعل الشيطان، الشيء الحلال المباح يكرهه، وهو زاهد فيه، والتي دون مستوى زوجته بكثير يطرب لها، ولكلامها، ولحركتها، ويزيِّن الشيطان له المعصية، ويزهده في الطاعة، احذر الشيطان في كسب المال، وفي العلاقة بالنساء، وفي كل شيء، وكلما رأيت إنساناً مثلاً مدمراً فقل: هذا من عمل الشيطان، وإنساناً غارقاً في المعاصي والآثام، وإنساناً دمر حياته الزوجية، وآخر أدمن القمار، والشرب، وكسب الحرام، فقل: هذا من عمل الشيطان

﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾

موسوعة النابلسى للعلوم الاسلامية