معنى يشري

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ )(207)سورة البقرة
(يَشْرِي)
بمعنى يبيعُ ويشتري، وسياق الآية يُحَدِّد معنى يشري بمعنى يبيع، أيْ ومن الناس من يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله،
يقول الله عزَّ وجل:
﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[ سورة التوبة: 111 ]

خُلقت لِجَنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، ثمنها أن تأتي إلى الدنيا وتقدِّم شيئاً يرضي الله؛ فقد تُقَدِّم مالك، وقد تقدم وقتك، وقد تقدم علمك، وقد تقدم حياتك، والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ، وكلٍ إنسان لم يقدم شيئاً فهذا أشقى الأشقياء، لأنه جاء إلى الدنيا ليقدِّم فلما نسي أن يقدم خسر الآخرة وخسر الحياة الأبدية في جنةٍ عرضها السماوات والأرض.
أنت مخلوقٌ لجنة لك فيها ما تشاء، فيها من كل الثمرات، فيها حورٌ عين، وأنهارٌ من كل الأنواع؛ من لبنٍ لم يتغير طعمه، ومن عسلٍ مصفَّى، ومن خمرٍ لذةٍ للشاربين، ومن ماءٍ غير آسن، وفيها ولدانٌ مخلَّدون، وفيها نظرةٌ إلى وجه الله الكريم، وفيها رضوانٌ من الله أكبر، هذه الجنة إلى أبد الآبدين؛ لا مرض، ولا قلق، ولا حزن، ولا جوع، ولا انتكاسة شيخوخة، ولا شيء مُزْعِج، خُلقْت لهذه الجنة.
إلا أن هذا العطاء الكبير يحتاج إلى ثمن تدفعه في الدنيا، الثمن أن تقرض الله قرضاً حسناً، أيْ أن تعمل عملاً صالحاً مع عباده، الإيمان درجات، فهناك إنسان طبَّق منهج الله وفعل بعض الصالحات وهذا ناجي، وهناك إنسان تفلَّت من منهج الله وأساء للخلق فهذا هالك في الدنيا والآخرة، لكن هناك طبقة أولى؛ هؤلاء السابقون السابقون، هؤلاء الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله، وقتهم كله لله، ومالُهم كله لله، وعلمهم كله لله، وذكرهم كله لله، وكل أفعالهم وأحوالهم، وإقامتهم وسفرهم، وعطائهم وأخذهم، وصلتهم وقطعهم، وغضبهم ورضاهم في سبيل الله، هؤلاء لهم الطبقة الأولى،
فهناك سابقٌ في الخيرات، وهناك مقتصد، وهناك ظالمٌ لنفسه..
﴿ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ*فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ*وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ*فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ*وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ*فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ*وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ*إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ*فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾[ سورة الواقعة: 88-96 ]

ما كلّ ذكيٍ بعاقل :

قد يصل الإنسان إلى أعلى درجة في الاختصاص، وهو ذكي جداً باختصاصه، وماهر جداً في تجارته وصناعته، ولكنه ما عرف هدفه في الدنيا،
فهو ليس عند الله بعاقل، هو ذكيٌ، وليس بعاقل
المؤمن يقيِّم كل شيء تقييماً في ضوء الآخرة
إنك إن عرفت سر وجودك، وغاية وجودك، فالآن تقيّم أي شيء في الدنيا تقييماً في ضوء الهدف، فإن كان في خدمته أخذت به، وإن تناقض مع الهدف ركلته بقدمك، فلديك سياسة واضحة تسير عليها، وهناك منظومة قيَم، فكل شيء يقيَّم تقييماً في ضوء الآخرة، وكل شيء قرَّبك إلى الله أخذت به، وكل شيء أبعدك عن الله أعرضت عنه
المؤمن هدفه رضوان الله والجنة

إن صحَّت عقيدتنا صحّ سلوكنا

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ﴾
نحن إن صحَّت عقيدتنا صحّ سلوكنا، وصرنا نتحرك على منظومة قيَم، فهذا معنى بيع النفس، أي باع وقته لله، لا يوجد عنده كلمة أنا مشغول، لا يوجد لدي وقت، تجد الشخص يسترخي ساعات طويلة، يجلس جلسة فيها كلام فارغ، وقد يلتقي لقاء فيه معاص كثيرة، قد يغتاب المسلمين، أما إذا دُعي إلى حضور درس علم يقول: والله إنّني مشغول فاعذرني، درس علم ساعة لا يقبل، أما أربع أو خمس ساعات في مجلس غيبة، ونميمة، واختلاط يقبله، لأن هدفه واضح، فهدفه الدنيا والمُتعة، أما درس علم لا يوجد فيه شيء، فهو ناشف بالنسبة له، بل يريد جلسةأخرى فيها شيء من المتعة الرخيصة.
نحن نريد أن نؤكِّد في هذه الآية أنك إذا عرفت سر وجودك وغاية وجودك قيَّمت كل ما حولك، وكل من حولك؛ قيمت الأموال، والأصدقاء، والبيوت، قد ترفض بيتاً لا يناسب مكانتك الدينية، قد ترفض عملاً لا يناسب اتجاهك الديني، أو امرأةً تتزوجها إلا أن تكون طائعةً لله عزَّ وجل، فأنت عندما تؤمن بالله، وتعمل للآخرة، صار عندك منهج واضح، وخطة واضحة، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ﴾هناك أعمال جيّدة ولكنها ليست ابتغاء مرضاة الله، فأهم شيء في العمل أن يكون وفق سنة رسول الله، وأن يكون خالصاً لله.

لخَّص هذا الإمام الفُضَيْل بن عياض فقال: " العمل لا يُقْبَل إلا إذا كان خالصاً وصواباً ". خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، وأن أعمل صالحاً ترضاه".
إذاً من أجل ماذا يتعلم الإنسان الفقه؟
من أجل أن يعبد الله بما تعلَّم، بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، فأنت تتعلم الفقه كي تقف عند حدود الله، وألا تتعدَّى عليها.

طبعاً هذه ( مِن) للتبعيض، ما كل الناس كذلك، لكن بعضهم، هؤلاء السابقون السابقون،
هؤلاء المتفوقون، هؤلاء الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله..
﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾[ سورة الأنعام: 162]

كل أعمال المؤمن خالصة لوجه الله :

كل أعمال المؤمن خالصة لوجه الله، حتى أعماله الدنيوية المَحْضَة هي عند الله عبادات، لأنه نوى بها التقوي على طاعة الله، والتقرب بها إلى الله عزَّ وجل،أما المنافقون فحتى عباداتهم هي عاداتٌ لا ترقى بهم عند الله عزَّ وجل.

﴿ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾
الرؤوف هو الذي يخفف عن عباده فلا يكلفهم ما يشق عليهم،
ولا يخرجهم عن وسعهم وطاقتهم يعطيك عطاءً مذهلاً،
الرؤوف في اللغة:

الرؤوف صيغة مبالغة من اسم الفاعل رائف، وهو الموصوف بالرأفة فعله رأف، يرأف، رأفة، فهو رؤوف، والرأفة في حق الإنسان أن يمتلئ قلبه بالرقة وهي أشد من الرحمة، رحمة، فرأفة، وقيل بل شدة الرحمة ومنتهاها، قال تعالى:

﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ (2) ﴾
(سورة النور)
الرأفة رقة القلب، مشاعر العطف والرحمة، ويمكن أن نقول: إن الرحمة تسبق الرأفة، والرأفة منزلة تأتي بعدها، فلان رحيم، فإذا اشتدت رحمته فهو رؤوف، أو الرأفة آخر ما يكون من الرحمة يعني في أعلى درجات الرحمة الرأفة، لذلك قدمت الرأفة على الرحمة تقديم أهمية، وذلك في هذه الآية:
﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾
( سورة التوبة)
لذلك قالوا أرحم الخلق بالخلق رسول الله.



موسوعة النابلسى للعلوم الاسلاميه