السلام عليكم ورحمة الله

لأنه قدوتنا في كل شيء، تعالوا معي نرى كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أبناءه وأصحابه بالحب، وكيف كان يغرس فيهم معاني الحب بطريقة عملية ...

سأكتفي معكم بمثالين اثنين .. فإنك إن ذهبت تستقصي كل ما في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته من وسائل التربية بالحب، أعياك البحث وشق عليك الطريق وطال ... لكن لنأخذ لقطتين فقط من حياة خير البشر .. لقطة مع صغيرته الحبيبة "فاطمة" .. ولقطة أخرى مع ربيبه وحبيبه "زيد" .. استمعوا الآن بقلوبكم ...

تقول عائشة رضي الله عنها : " إنا كنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده جميعا، لم تغادر منا واحدة ... فأقبلت فاطمة تمشي ... ولا والله لا تخفى مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فلما رآها صلى الله عليه وسلم رحب وقال: (مرحباً بابنتي) .... ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله... ثم سارها (أي حدثها سراً) .. فبكت بكاءً شديداً ... فلما رأى حزنها سارها الثانية .... فإذا هي تضحك ...

فقلت لها أنا من بين نسائه: خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسر من بيننا، ثم أنت تبكين ... فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها: عم سارك؟ ... قالت: "ما كنت لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سره" .. فلما توفي صلى الله عليه وسلم قلت لها: "عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما أخبرتني" ....

قالت: "أما الآن فنعم ... فأخبرتني ... قالت: أما حين سارني في الأمر الأول، فإنه أخبرني أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة ... وإنه قد عارضني به العام مرتين ... ولا أرى الأجل إلا قد اقترب ... فاتقي الله واصبري ... فإني نعم السلف أنا لك ... قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت .... فلما رأى جزعي سارني الثانية، قال: (يا فاطمة، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين ... أو سيدة نساء هذه الأمة).!! (رواه مسلم)

هل رأيتم هذا الحنان الأبوي .. مسارة .. وتسرية .. وبشارة .. من أعظم قلب يحب .. ويربي على الحب ... فإن قلت هذه ابنته ومحبوبته .. فتعال معي نرى ماذا فعل مع غلامه ..

اشترى حكيم بن حزام .. زيد بن حارثة ... لعمته خديجة بنت خويلد ... فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بخديجة وهبته له ... فأحبه وأحسن عشرته ... وخرج أبو زيد وعمه لفدائه .. فلما وصلا لمكة سألا عن النبي صلى الله عليه وسلم وذهبا إليه وقالا :

"يا ابن عبد المطلب ... يا ابن سيد قومه ... أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون الأسير، وتطعمون الجائع، و تغيثون الملهوف .... وقد جئناك في ابن لنا عندك ... فامنن علينا بفدائه ... فإنا سندفع لك في الفداء ما تشاء"

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ومن هو ؟" .. فقالا: زيد بن حارثة .... فقال صلى الله عليه وسلم : "فهلاّ غير ذلك" ... قالا: "و ما هو ؟؟" .. قال صلى الله عليه وسلم: "أدعوه فأخيره ... فإن اختاركم فهو لكم ... وإن اختارني فما أنا بالذي اختار على من يختارني أحداً " ... قالا : قد زدتنا على النصف و أحسنت ...

فدعاه صلى الله عليه وسلم وقال له" "هل تعرف هؤلاء ؟؟" .. قال زيد: نعم .. هذا أبي .. وهذا عمي" ... فقال صلى الله عليه وسلم لزيد :"فأنا من قد علمتَ .. فاخترني أو اخترهما " ... قال زيد :

"ما أنا بالذي يختار عليك أحداً ...أنت مني مكان الأب والعم"

فأخذ صلى الله عليه وسلم بيد زيد إلى الكعبة .. وأشهد الناس أنه ابنه .. وصار يدعى "زيد بن محمد".

هل أذهلكم هذا الموقف الفريد كما أذهلني ؟؟ ... ترى .. ماذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للغلام الصغير "زيد" حتى يحبه حباً يدفعه أن يختار جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم على جوار أبيه وأمه وعائلته؟ .. كيف استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكسب قلب هذا الفتى ويغرس حبه فيه؟ .. كيف علمه أن يحبه كل هذا الحب؟ ... ألم أقل لكم إنه أعظم قلب عرف الحب وعرفه؟!!.

ولعل أحدنا أن يقول إن هذا مع الصغار يفلح، فما بال الكبار والشباب ... تعالوا نرى كيف كان يفعل القلب الكبير العظيم مع أصحابه ومن حوله ...

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي ... فقال : "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" ) (رواه البخاري) .

وعن أبى سعيد بن المعلّى رضي الله عنه قال : كنت أصلى في المسجد فدعاني رسول الله صلى عليه وسلم فلم أجبه ... فقلت : يا رسول الله إني كنت أصلى .... فقال: "ألم يقل الله : "استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم" (الأنفال – 24) ... ثم قال لي: "لأعلمنك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد" ... ثم أخذ بيدي ، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن؟ .. قال: "الحمد لله رب العالمين" (الفاتحة – 1) ... هي السبع المثاني والقرآن الذي أوتيته". (رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد)

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ... فقال: "يا معاذ .. والله إني لأحبك ... لا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". (رواه أحمد)

وعن أبي أمامة رضي الله عنه: جاء شاب إلى رسول الله صلى عليه وسلم فقال: "ائذن لي في الزنا" .. فقام الناس ليقعوا فيه ... فقال صلى عليه وسلم: "دعوه" .. ثم قال:" أترضاه لأمك؟" ... قال الشاب: "لا .. جعلني الله فداك" ... فقال صلى عليه وسلم: "كذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم" ... ثم ذكر الأخت والعمة والخالة، قال الشاب: "ثم وضع رسول الله صلى عليه وسلم يده على صدري ... وقال: "اللهم طهر قلبه وحصن فرجه" قال الشاب: "فخرجت من عنده وما من شيء أبغض إلي من الزنا" (رواه أحمد والطبراني)

هل رأيتم هذه الكلمات الحانية المفعمة بالحب؟ ... هل رأيتم هذه النظرات التي تنقل معاني الحب للآخرين ؟ ... هل رأيتم هذه اللمسات الحانية التي تترجمها القلوب إلى أعظم معاني الحب؟ يأخذ بيد هذا، ويمسك بمنكب هذا، ويضع يده الشريفة على صدر هذا، ويقول لهذا – بل يقسم له – أنه يحبه ... إنه المربي الأعظم الذي يعلمنا جميعاً كيف نربي بالحب ... على الحب.

منقول من د/ اشرف نجم