‏ يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل‏...‏
بقلم الدكتور‏:‏ زغـلول النجـارأستاذ علوم الأرض ـ ومدير كلية مارك فيلد في بريطانيا سابقاًجاءت هذه الآية الكريمة في مقدمات سورة الزمر‏,‏ والتي سميت بهذا الاسم لحديثها عن زمر المتقين‏,‏ السعداء‏,‏ المكرمين من أهل الجنة‏,‏ وزمر العصاة‏,‏ الأشقياء المهانين من أهل النار‏,‏ وحال كل منهم في يوم الحساب‏.‏و سورة الزمر مكية ـ شأنها شأن كل السور المكية التي يدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة ـ ولذلك فهي تركز على عقيدة التوحيد الخالص لله‏,‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏.‏واستهلت السورة بالحديث عن القرآن الكريم الذي أنزله ربنا‏(‏ تبارك وتعالى‏)‏ بالحق على خاتم الأنبياء والمرسلين‏(‏ صلى الله عليه وسلم‏)‏ هداية للناس كافة‏,‏ وإنذارا من رب العالمين‏,‏ وجعله معجزة خالدة إلي يوم الدين‏,‏ وملأه بالأنوار الإلهية‏,‏ والإشراقات النورانية‏,‏ التي منها الأمر إلي رسول الله‏(‏ صلى الله علىه وسلم‏)‏ وإلي الناس كافة‏(‏ بالتبعية لهذا النبي الخاتم والرسول الخاتم‏)‏ بإخلاص الدين لله‏,‏ وتنزيهه‏(‏ جل في علاه‏)‏ عن الشبيه والشريك والولد‏...!!!‏وذكرت السورة عددا هائلا من الأدلة المادية الملموسة التي تشهد للخالق سبحانه وتعالى بطلاقة القدرة‏,‏ وببديع الصنعة‏,‏ وبإحكام الخلق‏,‏ وبالتالي تشهد له‏(‏ سبحانه‏)‏ بالألوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والوحدانية‏,‏ والتنزيه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ ومن هذه الأدلة المادية‏:‏ خلق السماوات والأرض بالحق‏,‏ وخلق كل شيء حسب مايشاء‏(‏ سبحانه‏),‏ تكوير الأرض وتبادل الليل والنهار علىها‏,‏ وتسخير كل من الشمس والقمر‏(‏ وتسخير كل أجرام السماء‏),‏ خلق البشر كلهم من نفس واحدة‏,‏ وخلق زوجها منها‏(‏ وكذلك الزوجية في كل خلق‏),‏ إنزال ثمانية أزواج من الأنعام‏,‏ مراحل الجنين التي يمر بها الإنسان وخلقه في ظلمات ثلاث‏,‏ إنزال الماء من السماء وخزن بعضه في صخور الأرض‏,‏ إخراج الزرع ودورة حياته‏,‏ حتمية الموت على كل مخلوق‏,‏ تكافؤ النوم مع الوفاة‏,‏ وقبض الأرض‏,‏ وطي السماوات يوم القيامة‏...!!!‏وتحدثت السورة الكريمة كذلك عن الإيمان الذي يرتضيه ربنا‏(‏ تبارك وتعالى‏)‏ من عباده‏,‏ والكفر الذي لا يرضاه‏,‏ وعن علم الله‏(‏ تعالى‏)‏ بكل مافي الصدور‏,‏ وقدرته‏(‏ جل جلاله‏)‏ على محاسبة كل مخلوق بعمله‏,‏ وتحدثت السورة عن طبائع النفس البشرية في السراء والضراء‏,‏ وعن الفروق بين كل من الإيمان والكفر‏,‏ والكافر والمؤمن في مواقفهما في الدنيا والآخرة‏,‏ وبين الإغراق في المعاصي والإخلاص في العبادة‏,‏ وبين كل من التوحيد والشرك‏,‏ وبين الذين يعلمون والذين لا يعلمون‏,‏ وعن العديد من مشاهد القيامة وأهوالها‏...!!!‏كما تحدثت السورة الكريمة عن نفختي الصعق والبعث‏,‏ ومايعقبهما من أحداث مروعة‏,‏ وعن يوم الحشر حين يساق المتقون إلي الجنة زمرا‏,‏ ويساق المجرمون إلي جهنم زمرا كذلك‏,‏ ولكن شتان بين سوق التكريم‏,‏ وسوق الإهانة والإذلال والتجريم‏,‏ ويتم ذلك كله في حضرة الأنبياء والشهداء‏,‏ والملائكة حافين من حول العرش‏,‏ والوجود كله خاضع لربه‏,‏ متجه إليه بالحمد والثناء‏,‏ راج رحمته‏,‏ مشفق من عذابه‏,‏ راض بحكمه‏,‏ حامد لقضائه‏...!!!‏
صورة لكوكب الأرض من الفضاء
ومن الأدلة المادية المطروحة للاستدلال على طلاقة القدرة الإلهية على الخلق‏,‏ وبالتالي على الشهادة له‏(‏ سبحانه‏)‏ بالألوهية والربوبية قوله‏(‏ تعالى‏):‏خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمي ألا هو العزيز الغفار‏.(‏ الزمر‏:5)‏وهي آية جامعة‏,‏ تحتاج في شرحها إلي مجلدات‏,‏ ولذا فسوف أقتصر هنا على الإشارة إلي كروية الأرض وإلي دورانها من قبل ألف وأربعمائة سنة‏,‏ في زمن ساد فيه الاعتقاد بالاستواء التام للأرض بلا أدني انحناء‏,‏ وبثباتها‏,‏ وتمت الإشارة إلي تلك الحقيقة الأرضية بأسلوب لا يفزع العقلية البدوية في زمن تنزل الوحي‏,‏ فجاء التكوير صفة لكل من الليل والنهار‏,‏ وكلاهما من الفترات الزمنية التي تعتري الأرض‏,‏ فإذا تكورا كان في ذلك إشارة ضمنية رقيقة إلي كروية الأرض‏,‏ وإذا تكور أحدهما على الآخر كان في ذلك إشارة إلي تبادلهما‏,‏ وهي إشارة ضمنية رائعة إلي دوران الأرض حول محورها‏,‏ دون أن تثير بلبلة في زمن لم تكن للمجتمعات الإنسانية بصفة عامة والمجتمعات في جزيرة العرب بصفة خاصة أي حظ من الثقافة العلمية‏,‏ وسوف نفصل ذلك في السطور القادمة إن شاء الله‏(‏ تعالى‏)‏ بعد شرح دلالة الفعل‏(‏ كور‏)‏ في اللغة العربية‏,‏ واستعراض شروح المفسرين لدلالات تلك الآية الكريمة‏.‏الدلالة اللغوية
يتبع